الشيخ محمد هادي معرفة

330

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وحتّى في المسائل المستجدّة . . الأمر الذي يدلّك على بعد نظره وعمق فِكَره في مسائل الأصول والفروع . . وكتابه في التفسير الفقهيّ لآيات الأحكام . . جاء صفوة من ذلك البحر الخضمّ وزبدة من ذلك العَلَم الأشمّ . . فقد أودعه تدقيقات وتحقيقات لم يحظ بها سائر الكتب ممّا نسج على منواله . . يكفيك مثلًا : أنّ هذا الكتاب وإن كان نسج على منوال كنز العرفان واحتذى أثره في المنهج والأخذ بجوانب الكلام . . غير أنّه غذّاه بوفرة التحقيق والتعميق ممّا زاد عليه وبلغ به مرتبة الكمال . . خذ لذلك مثلًا مسألة التيمّم - حسبما جاءت في القرآن - جاءت في آيتين : الأُولى قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً » « 1 » . والثانية قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ . . » « 2 » . ففي هاتين الآيتين جاء شرط التيمّم أحد أمور ثلاثة : المرض ، السفر ، فقدان الماء . . غير أنّ هذا الشرط بأنحائه الثلاثة وقع مورد إشكال وإبهام لدى المفسّرين ، وعدّه الآلوسيّ من المعضلات . قال : « نعم ، الآية من معضلات القرآن ولعلّها تحتاج بعدُ إلى نظر دقيق . . » « 3 » .

--> ( 1 ) - . النساء 43 : 4 . ( 2 ) - . المائدة 6 : 5 . ( 3 ) - . روح المعاني ، ج 5 ، ص 39 .